سيد قطب
3543
في ظلال القرآن
على طريقة القرآن الكريم « 1 » . ويستطرد لهذا في إثبات بقية دعاء إبراهيم ونجواه لمولاه : « رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا » . . فلا تسلطهم علينا . فيكون في ذلك فتنة لهم ، إذ يقولون : لو كان الإيمان يحمي أهله ما سلطنا عليهم وقهرناهم ! وهي الشبهة التي كثيرا ما تحيك في الصدور ، حين يتمكن الباطل من الحق ، ويتسلط الطغاة على أهل الإيمان - لحكمة يعلمها اللّه - في فترة من الفترات . والمؤمن يصبر للابتلاء ، ولكن هذا لا يمنعه أن يدعو اللّه ألا يصيبه البلاء الذي يجعله فتنة وشبهة تحيك في الصدور . وبقية الدعاء : « وَاغْفِرْ لَنا » . . يقولها إبراهيم خليل الرحمن . إدراكا منه لمستوى العبادة التي يستحقها منه ربه ، وعجزه ببشريته عن بلوغ المستوي الذي يكافئ به نعم اللّه وآلاءه ، ويمجد جلاله وكبرياءه فيطلب المغفرة من ربه ، ليكون في شعوره وفي طلبه أسوة لمن معه ولمن يأتي بعده . ويختم دعاءه وإنابته واستغفاره يصف ربه بصفته المناسبة لهذا الدعاء : « رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . . العزيز : القادر على الفعل ، الحكيم : فيما يمضي من تدبير . وفي نهاية هذا العرض لموقف إبراهيم والذين معه ، وفي استسلام إبراهيم وإنابته يعود فيقرر الأسوة ويكررها ؛ مع لمسة جديدة لقلوب المؤمنين : « لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ . وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ » . . فالأسوة في إبراهيم والذين معه متحققة لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر . هؤلاء هم الذين يدركون قيمة التجربة التي عاناها هذا الرهط الكريم ، ويجدون فيها أسوة تتبع ، وسابقة تهدي . فمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر فليتخذ منها أسوة . . وهو تلميح موح للحاضرين من المؤمنين . فأما من يريد أن يتولى عن هذا المنهج . من يريد أن يحيد عن طريق القافلة . من يريد أن ينسلخ من هذا النسب العريق . فما باللّه من حاجة إليه - سبحانه - « فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ » . . وتنتهي الجولة وقد عاد المؤمنون أدراجهم إلى أوائل تاريخهم المديد ، ورجعوا بذكرياتهم إلى نشأتهم في الأرض ؛ وعرفوا تجاربهم المذخورة لهم في الأجيال المتطاولة ، ورأوا القرار الذي انتهى إليه من مروا بهذه التجربة ؛ ووجدوها طريقا معبدة من قبل ليسوا هم أول السالكين فيها . والقرآن الكريم يؤكد هذا التصور ويكرره ليتصل ركب المؤمنين ، فلا يشعر بالغربة أو الوحشة سالك - ولو كان وحده في جيل ! ولا يجد مشقة في تكليف نهض به السالكون معه في الطريق ! بعدئذ يعود فينسم على هذه القلوب التي يعلم اللّه ما بها من حنين ورغبة في زوال حالة العداء والجفوة التي
--> ( 1 ) يراجع فصل : القصة في القرآن في كتاب : التصوير الفني في القرآن « دار الشروق » .